الرئيسية / غرائب الطب والعلوم / رجل يتحول لون جلده إلى اللون الأزرق النيلي

رجل يتحول لون جلده إلى اللون الأزرق النيلي

إنه العام الثمانمئة والعشرون بعد الألف، وقد وصل توًّا الفرنسي مارتن فوجيت إلى كريك، تلك المستوطنة النائية الهادئة التي تقع شرق ولاية كنتاكي. لقد قرر مارتن بدء حياةٍ أُسريةٍ جديدة هناك بصحبة إليزابيث سميث، تلك السيدة الصهباء التي كان قد تزوجها لتوِّه.
إلى الآن كل ما في القصة يبدو تقليديًّا للغاية، فها هو رجلٌ يتزوج بامرأةٍ بعيدًا عن الناس بمنطقةٍ هادئة، إلا أن الغريب في الأمر هو فوجيت نفسه، فهو لم يكن رجلًا عاديًّا، بل كان لديه حالة وراثية نادرة كانت تعمل على تغيير لون جلده إلى اللون الأزرق النيلي!

لقد رُزِق الزوجان بسبعة أطفال، أربعة منهم كانوا قد ورثوا لون الجلد الأزرق من والدهم. دعنا نمضي سريعًا إلى السبعينيات، حيث وُلِدَ الحفيد الأعظم لمارتن فوجيت وإليزابيث سميث، والذي يدعى بنيامين ستايسي.

لقد دُهِشَ الوالدان وطاقم العمل بالمشفى بهذا الطفل! لقد ورث ستايسي اللون الأزرق المميز لعائلته -على الرغم من اندثار قصة أجداده مع الزمن- نظرًا لاختفاء تلك الطفرة لفترة طويلة للغاية. كيف عادت مرة أخرى وهي مجرد ذكرى كان قد طواها النسيان؟! لقد جاء بنيامين ليعيد مجددًا تلك الطفرة الوراثية المميزة إلى الوجود مرة أخرى، ليثبت لنا مدى قوة وتأثير العوامل الوراثية على الفرد مهما طال الزمن.

بالتأكيد يثيرك فضولك الآن، لمعرفة ما هو السبب في ظهور ذلك اللون الأزرق على أفراد تلك العائلة!
يعود السبب وراء ذلك إلى حالة تعرف باسم  (ميتهيموغلوبينية الدم – methemoglobinemia)، التي تؤدي إلى ارتفاع مستويات (الميتهيموغلوبين – methemoglobin) بالدم لأكثرمن واحد بالمئة، فيتلون الجلد بالأزرق وتتحول الشفتين إلى اللون الأرجواني، وكذلك الدم يتحول من الأحمر إلى البني الذي يشبه لون الشيكولاتة.

ربما تعددت أسباب حدوث تلك الحالة نظريًّا، فالتعرض لبعض المواد الكيميائية أو العقاقير مثل (البنزوكايين-Benzocaine)، (الزيلوكايين-Xylocaine) على سبيل المثال، يمكن أن يتسبب في حدوث تلك الحالة، مع العلم أن هذا لا يحدث بشكل  مطلق. لقد كانت حالة فوجيت مميزةً حقًا، فقد كان السبب هنا هو وراثته جينًا به خلل تسبب على الأرجح في حدوث نقصٍ في إنزيم يُسمَّى بـ(cytochrome-b5 reductase) والمسؤول عن اختزال وتقليل وجود الميتهيموغلوبين في الدم إلى المستوى الطبيعي.

لحسن حظ اّل فوجيت، لم تكن هناك مشاكل صحية جسدية مصاحبة لحالتهم، وفي الواقع نجا معظمهم بشكلٍ جيد إلى أعمارٍ متقدمة -لكن- هذا لا يعني أن لونهم الأزرق لم يكن مصدرَ خجلٍ عميق وصدمة نفسية لهم، فقد كانت هذه الأسرة تعاني من العنصرية والتمييز من المجتمع، وقد جعلهم هذا يسعون إلى المزيد من العزلة، مما أدَّى إلى تفاقم المشكلة نتيجة زواجهم من بعض، حيث إن ميتهيموغلوبينية الدم تعد نتاج لزواج الأقارب في معظم الحالات.

لقد كانت كريك عبارة عن مستوطنة صغيرة بدون طرق أو سكك حديدية تصلها بالمدن المجاورة، وهذا يعني أن الفتيات والفتيان المحليين لديهم عروض محدودة للغاية في اختيارهم لأزواجهم وزوجاتهم المستقبليين، حتى أنه انتهى الأمر بأن ابن فوجيت كان قد قام بالزواج من عمته! ولذلك كان هذا المجتمع الضيق بمثابة بيئة خصبة لازدهار تلك الحالة النادرة!

لقد ظلَّ السبب وراء هذا الأمر مجهولًا وغير مفهومٍ بالمرة، إلى أن وصل الطبيب ماديسون كاوين في الستينيات إلى تلك المستوطنة مع أحد الممرضات وتدعى روث بيندرغراس، التي كان قد كلفها من أجل مساعدته في حل لغز تلك الحالة الغريبة.
بدأ الطبيب والممرضة في لقاء بعض أفراد عائلة فوجيت، حيث قابلا شخصين يدعيان باتريك وراشيل ريتشي، الذان وصفهما ماديسون بالجحيم الأزرق، وأضاف أنهما كانا محرجين للغاية من لونهم، حيث قام باتريك بالانزواء في ركنٍ من القاعة وقامت راشيل بالتقرب من الحائط بصورة كبيرة، ووصل الأمر إلى عدم استجابتهم لطلب الحضور إلى غرفة الانتظار.

بعد إجراء بعض الفحوصات الطبية للتأكد من عدم وجود أمراض القلب، شرع الطبيب والممرضة في القيام برسم شجرةٍ للعائلة والبحث في تاريخهم المرضي، حيث كان يشك في وجود الميتهيموغلوبين في الدم لكنه لم يستطع التأكد مما تسبب به. لقد كانت الشكوك تراوده من حينٍ إلى آخر، بما في ذلك التكوين غير الطبيعي للهيموغلوبين، الاستهلاك المفرط لفيتامين K، لكن اختبارات الدم كشفت في النهاية عن المسبب الحقيقي! لقد كانت عائلة فوجيت تفتقر إلى إنزيم يعرف بـ(diaphorase)، وهو نفس الإنزيم المذكور سابقًا في المقال.

بدأ الطبيب في تطبيق العلاج بعد أن عرف سبب تلك الحالة، وذلك باستخدام مادة تعرف بـ(الميثيلين الأزرق – Methylene blue). لقد نجح الطبيب بالفعل في تحويل لون باتريك وراشيل إلى اللون الوردي -لكن تأثير العلاج كان مؤقتًا- حيث أن هذه المادة الكيميائية سريعة الخروج من الجسم عبر المسالك البولية.

عن رانيا احمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *