غرئب تعود من جديد

«

»

طباعة الخبر

  0 15  

وضع البقرة في الديانة الهندوسية







مومبي / منذر محمد احمد

 

كنت لحظتها في السنة الأولي عندما حضرت إلي الهند وإلتحقت بجامعة بومبى… لم تكن المدينة ولا من بها كما كنا نرى في الأفلام … فالهند للعالم الخارجي عالم ساحر يزخر بالألوان والمهراجا يمتطي فيلا وقد زينت حليته الأحجار الكريمة في موكب والناس تصطف على جانبي الطريق لتحظى بنظرة إليه. أما منتخب الهند القومي لكرة القدم فقد منع ان يشارك في تصفيات العالم لأنهم لعبوا مع المنتخب الفلاني وهزموه مائة هدف أجل فإنهم يلعبون بالسحر فحرموا من جائزة الفيفا للعب النظيف. هكذا هي الهند يحلو للذي بخارجها وصفها حينما يأتيه طيف من خيال.

عندما أتيتها وجدتها عالم آخر تسوده المتناقضات عالم لا يعرفه من يدعي معرفته من مقول أو منقول بل عالم للذي يعيش فيه يحتاج لزمن طويل وجهد ليس بالقليل لمعرفته.

عندما قرأت أن الديلي ميل البريطانية أن الهنود يتناولون بول البقر الطازج للشفاء تزكرت …

عندما كنت في السنة الأولى لي في بومبى أسكن ومعي صديقي عبدالإله شمس الدين في حي به ثالث أقدم معبد هندوسي في المدينة.
كان لنا جار أناند كومار طبيب مشهور في أكبر المستشفيات في بومبي وكما انه طبيب زائر لعدة دول منها بريطانية.
في صباح كل يوم أركب البص إلى الكلية من موقف قريب من بوابة ذلك المعبد. على جانبي بوابته يصطف بائعي الورود والشمع وأعواد الند ذات الرائحة المميزة وفي ركن قصي بائع جوز الهند صديق لي من جنوب الهند تخرج من جامعة كيرلا من كلية العلوم قسم الكيمياء برغم أن تجارته الوضيعة ودكانه الذي يعتبر منضدة في الشارع ولكن ما إحتجته في أمر في الكيمياء إلا وأنتحى جانبا من المنضدة لمساعدتي.

في يوم كنت أقف في إنتظار البص تفاجأت بالدكتور أناند يوقف سيارته على جانب الطريق ثم يترجل عنها صوب المعبد … توقف عند دبر البقرة التي في توها تتبول فوضع يده خطفا لتتبلل قليلا بالبول ثم مسح به جبهته وعاد إلى سيارته.

لأول مرة أرى مثل ذلك المنظر منذ حضوري إلى الهند وأن يأتي من واحد قد تسلق سلم المعرفة حتى أصبح إسما في عالم الطب لا لن أدع الأمر يذهب كالطيف. إلتقيته مرة أمام بيته وسألته فضحك وأحضر لي كتابا قال لي عند وقت الفراق إقرأ هذا فأنت تعلم أنني ملم بكثير من التعاليم الإسلامية لأنني أحتاجها حتى في مهنتي قال لي ان معرفة معتقدات الآخرين توجب نوعا من الإحترام وعدم المذايدة والتشويه. في كتبهم عرفت أنهم يشمئزون من الخنزير ويحترمون باقي الحيوانات وعرفت الوضع الحقيقي للبقرة.

وضع البقرة في الديانة الهندوسية

البقرة في الهندوسية Hindusim تحترم وتبجل على أنها مصدر للغذاء ورمزا للحياة ولا يمكن بأي حال قتلها. االذين يعتقدون بالهندوسية – الهندوس Hindus – لا يعبدون البقرة وكما أن ليس للأبقار حياة ساحرة وكريمة في الهند بل يمكن أن نقول بدقة تامة أن البقرة ليست مقدسة في الديانة الهندوسية بل من المحرمات.

في الحضارة الهندية القديمة كان الناس يضحون بالثيران لآلهتهم ثم تؤكل لحومها ولكن رغم ذلك كان محظورا ومحرما ذبح الأبقار الحلوب. في الكتاب المقدس ريجويدا Rigvedaالبقرة تكنى بديفي Devi وتعني إلهة وهي بمثابة الإلهة أديتي Aditi أم آلهة الهندوسية.

حتى عندما تم السماح بأكل اللحوم كانت كتب الهندوسية المقدسة الفيدية القديمة Vedic scriptures تشجع على ألإعتماد على الغذاء النباتي. ففي كتاب قوانين الإنسان الآية السادسة والخمسون : ” لا حرج في أكل اللحوم … ولكن الإمتناع يجلب أجرا عظيما.”

لاحقا … وفي فترة الإزدهار الهندوسي الروحاني الذي نتجت عنه ميلاد الديانتين الجانية Jainism والبوذية Buddhism توقف الهندوس تماما عن أكل لحوم البقر (الثيران). وكان ذلك في الغالب لأسباب عملية ودينية. كان ذبح حيوان لدواعي دينية أو لإكرام ضيف مكلف جدا وكما أن الأبقار في الخصوص كانت تقدم للأسرة العديد من المنتجات الهامة كالحليب والذبدة التي بدورها ينتج منها السمن الذي يستخدم في المصابيح والروث الذي يجفف ويستخدم كوقود.

يعتقد بعض المتخصصين في علم الأديان أن تبجيل البقرة وعدم أكل اللحوم كتقاليد قد أتت عبر النفوذ الذي وصلت إليه الديانة الجانية المتشددة وتمسكها بمعتقد الإعتماد على الغذاء النباتي. وأصبحت البقرة تنعم بالتبجيل خاصة بين الحيوانات المحمية في الهند.

في بداية القرون الأولى الميلادية أصبحت البقرة تعتبر هدية إلهية للطبقة العليا في الهندوسية والتي تدعي البراهمانيين Brahmans … وقد قيل حينها أن مقتل بقرة يعادل مقتل كاهن براهمني. تعززت أهمية قدسية البقرة في قصص إلههم كريشنا Krishna التي تختص بحياته الرعوية … خاصة من بداية القرن العاشر فصاعدا.

في العصر الحاضر أصبحت الأبقار ضمن الحيوانات المحمية في الهندوسية والذين يدينون بالهندوسية لا يأكلون لحومها إطلاقا. معظم الأسر في الريف الهندي يمتلكون ولو بقرة واحدة حلوب على الأقل وتعامل بلطف ومحبة بإعتبارها من ضمن أفراد الأسرة.

للبقرة منتجات خمس ذات أهمية وتدعى بالبانكاقويا Pancagavya وهي الحليب واللبن الخثارة (الرائب) وذبد السمن والبول والروث وتستخدم كلها في العبادة (بوجا Puja) وكذلك في طقوس الكفارة القاسية.

حليب البقر في الأسرة يعتبر غذاءا أساسيا للأطفال لنموءهم أما روثها المجفف (قوبر Gobar) فيعتبر المصدر الأساسي للوقود للأسر الريفية في جميع أنحاء الهند. يطحن بعض الروث وترسم به خطوط على الجبين .. شكل الخطوط يحدد من أي الجماعات الهندوسية ينتمي الكاهن وتسمي تلك الرسوم بالتيلاك Tilak أما عند النساء فأن التيلاك يأخذ شكل نغطة أو وشمة بين الحاجبين ولها رمزيتها الخاصة بها.

على الرغم من وضعها المقدس لا يبدو أن هنالك موضع تقدير للأبقار في المدينة وغالبا ما يتفاجأ الأجانب عند زيارتهم للمدن الهندية رؤيتها تمشي في الشوارع دونما إهتمام بها تتغذى علي القمامة وتشرب من المجاري القذرة.

ولكن بالرغم من ذلك فإن للبقرة يوم واحد في السنة – عيد البقرة قوباستمي Gopastami – وفيه تكرم ويتم غسلها وتزينها في المعبد وتقدم لها القرابين والهدايا يأمل من ذلك معتنقي الديانة الهندوسية أن ما تهبه البقرة من الحياة قد يستمر فيضه.

الحمد لله الذي جعلنا نقرأ لغيرنا لندرك فضله علينا بأن جعلنا من أمة خير من مشي على الأرض … بالرغم أنّا في بقعة مليئة بالمتناقضات ولكن القلب بينهم خيول من نور أهلي في السودان يحتفلون بحبور… وزكرى المولد النبوي الشريف. أعاده الله عليهم باليمن والبركات. والأمن والسلام في ربوع وطن محب للمصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام.



وصلة دائمة لهذا المحتوى : http://oddity-sd.com/?p=598

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *